أحمد بن محمد مسكويه الرازي
171
تجارب الأمم
ثمّ أعاد الوصيّة بحضرة العبّاس والقضاة والفقهاء والقوّاد . ولمّا توفّى حمله ابنه العبّاس وأخوه أبو إسحاق إلى طرسوس ، فدفناه في دار خاقان خادم الرشيد وصلَّى عليه أخوه أبو إسحاق . فكانت خلافته عشرين سنة وستّة أشهر سوى سنتين ، كان دعى له فيهما بمكّة وأخوه الأمين محمد ابن الرشيد محصور ببغداد . وكان ولد للنصف من شهر ربيع الأوّل سنة سبعين ومائة . وكان ربعة ، أبيض ، جميلا . وقيل : كان [ 194 ] أسمر تعلوه صفرة ، أقنى ، أعين ، طويل اللحية رقيقها ، أشيب بخدّه خال أسود . من سيرة المأمون فأمّا سيرته فمشهورة لا تخفى على أحد جوده وعطاؤه وسماحة أخلاقه وحلمه ولكنّا نحكى بعض ذلك : حكى عن العيشي صاحب إسحاق بن إبراهيم أنّه قال : كنت مع المأمون بدمشق ، وكان قد قلّ المال عنده حتّى أضاق وشكا ذلك إلى أبي إسحاق المعتصم ، فقال : - « يا أمير المؤمنين كأنّك بالمال قد وافاك بعد جمعة . » قال : وكان حمل إليه ثلاثون ألف ألف من خراج ما كان يتولَّاه أبو إسحاق . قال : فلمّا ورد عليه ذلك المال قال المأمون ليحيى بن أكثم : - « اخرج بنا ننظر إلى هذا المال . » قال : فخرجا ووقفا ينظرانه وقد كان هيّئ بأحسن هيأة وحلَّيت أباعره وألبست الأحلاس التي وشّيت والجلال المصبّغة وقلَّدت العهن وعلَّيت